يوسف الحاج أحمد
343
موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة
تركيزه ، وقلّة كثافته باستمرار مع الارتفاع ، ولندرة كلّ من بخار وجسيمات الغبار فيه ، لتضاءل نسبها بالارتفاع حتى تكاد تنعدم . وتبدو الشمس وغيرها من النجوم بقعا زرقاء باهتة في بحر غامر من الظلام ، لأنّ أضواءها لا تكاد تجد ما يشتته أو يعكسه في رحاب الكون . فسبحان ربّ السماوات وربّ الأرض الذي أخبرنا بهذه الحقيقة قبل اكتشاف العلم لها ، عندما شبّه الذي يعرج في السماء بمن سكّرت أبصاره ، فلم يعد يرى غير الظّلام الشامل ، والظّلام الدامس ، أو بمن اعتراه شيء من السّحر فلم يعد يدرك شيئا ممّا يدور حوله . وكلا التّشبيهين تعبير دقيق عمّا أصاب روّاد الفضاء الأوائل حين تجاوزوا نطاق النّهار ودخلوا في ظلمة الكون ، فنطقوا بما يكاد أن يكون تعبير الآية القرآنية دون علم بها : إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا [ الحجر : 15 ] . وصدق اللّه جلّ ثناؤه إذ يقول : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] . إذن فالسّماء ليست فراغا كما كان يعتقد ، بل بنيان محكم يتعذّر دخوله إلّا عن طريق باب يفتح . ونقف عند قوله تعالى من الآية الكريمة : فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ والعروج لغة : سير الجسم في خط منعطف منحن ، وقد أثبتت الدّراسات العلمية الحديثة أنّ حركة الأجسام في الكون لا يمكن أن تكون في خطوط مستقيمة ، بل لا بدّ لها من التّعرّج والانحناء ، نظرا لانتشار المادّة والطّاقة في كلّ الكون . فأي جسم مادي - مهما عظمت كتلته أو تضاءلت - لا يمكنه التحرك في الكون إلا وفق خطوط منحنية . وقد أصبح من الثابت علميّا أنّ كلّ جرم متحرّك في السماء - مهما كانت كتلته - محكوم بكلّ من قوى الجذب والطّرد المؤثّرة فيه ، وهذا ما يصفه القرآن الكريم بالعروج . ولولا معرفة حقيقة عروج الأجسام في السماء لما تمكّن الإنسان من إطلاق الأقمار الصناعية ، ولا استطاع كذلك ريادة الفضاء . وبيان ذلك أنّ حركة أي جسم مندفع من الأرض إلى السّماء لا بدّ وأن تكون في خطوط منحنية ، وذلك تأثيرا بكلّ من الجاذبية الأرضية ، والقوى الدّافعة له إلى السّماء ، وكلتاهما تعتمد على كتلة الجسم المتحرّك ، وعندما تتكافأ هاتان القوّتان المتعارضتان يبدأ الجسم